الجصاص

197

أحكام القرآن

لأن هذا الحق لا يختلفان فيه ، فلما فرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما دل على أنه لم يرد به ذلك وأنه إنما أراد الزكاة . وعلى أنه قد روي أن الزكاة نسخت كل حق كان واجبا ، حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا حسن بن إسحاق التستري قال : حدثنا علي بن سعيد قال : حدثنا المسيب بن شريك عن عبيد المكتب عن عامر عن مسروق عن علي قال : " نسخت الزكاة كل صدقة " . وأيضا قد روي أن أهل الشام سألوا عمر أن يأخذ الصدقة من خيلهم ، فشاور أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له علي : " لا بأس ما لم تكن جزية عليهم " فأخذها منهم ، وهذا يدل على اتفاقهم على الصدقة فيها لأنه شاور الصحابة ، ومعلوم أنه لم يشاورهم في صدقة التطوع ، فدل على أنه أخذها واجبة بمشاورة الصحابة ، وإنما قال علي : " لا بأس ما لم تكن جزية عليهم " لأنه لا يؤخذ على وجه الصغار بل على وجه الصدقة . واحتج من لم يوجبها بحديث علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : " عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق " ، وحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة " ، وهذا عند أبي حنيفة على خيل الركوب ، ألا ترى أنه لم ينف صدقتها إذا كانت للتجارة بهذا الخبر ؟ . واختلف في زكاة العسل ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والأوزاعي : " إذا كان في أرض العشر ففيه العشر " . وقال مالك والثوري والحسن بن صالح والشافعي : " لا شيء فيه " ، وروي عن عمر بن عبد العزيز مثله ، وروي عنه الرجوع عن ذلك ، وأنه أخذ منه العشر حين كشف عن ذلك وثبت عنده ما روي فيه . وروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أنه قال : " بلغني أن في العسل العشر : ، قال ابن وهب : وأخبرني عمرو بن الحارث عن يحيى بن سعيد وربيعة بذلك . وقال يحيى إنه سمع من يقول فيه العشر في كل عام بذلك مضت السنة . قال أبو بكر : ظاهر قوله تعالى : ( خذ من أموالهم صدقة ) يوجب الصدقة في العسل ، إذ هو من ماله ، والصدقة إن كانت مجملة فإن الآية قد اقتضت إيجاب صدقة ما ، وإذا وجبت الصدقة كانت العشر إذ لا يوجب أحد غيره . ويدل عليه من جهة السنة ما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا أحمد بن أبي شعيب الحراني قال : حدثنا موسى بن أعين عن عمرو بن الحارث المصري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : " جاء هلال أحد بني متعان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشور نحل له ، وسأله أن يحمي واديا له يقال له سلبة فحمى له رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الوادي ، فلما ولي عمر بن الخطاب كتب سفيان بن وهب إلى عمر بن الخطاب يسأله عن ذلك ، فكتب عمر أن أدى إليك ما